شريط الاخبار

قائمة
UkrNewa AR. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مشاهدة "المواضيع القديمة"

مشاهدة التسميات "دراسات"

طبول الحرب غير الضرورية

2017-11-10 / لا تعليقات
بقلم / سامح المحاريق*

العالم يحتاج إلى حرب كبيرة، فمنذ بدأت الأزمة المالية العالمية، قبل عقد من الزمن، والحديث عن حرب يمكن أن تعيد تنشيط الاقتصاد العالمي، كما هو الأمر مع الحرب العالمية الثانية، التي لا يمكن فصلها عن مقدمات اقتصادية واضحة، مثل الكساد الكبير في أمريكا والتضخم الجامح في ألمانيا.

ولكن تراجع فكرة القومية وعدم قدرة اليمين الصريح على التفرد بالسلطة، أمر يجعل من الحرب قراراً أكثر صعوبة وحساسية لدى الدول الكبرى، يضاف إلى ذلك تغير خريطة وتركيبة العلاقات الدولية، بعد ثلاثة عقود من العولمة، وتداخل المصالح، وتعقد الحسابات، وتصاعد دور الشركات العابرة للقوميات، ومع ذلك فلا تمانع الدول الكبرى من الحروب على أرض الآخرين، حروباً غير ذات تكلفة بشرية باهظة بالنسبة لها، ولا تهدد شعوبها ومدنها وبنيتها التحتية، كما تتيح لها صفقات ضخمة من أجل إعادة الإعمار، وعلى ذلك فلماذا لا تتوسع حرب سوريا على امتداد منطقة أوسع، خاصة أنها أسفرت عن مزيد من الانفاق العسكري، وتركت وراءها حديثاً عن مشروع إعادة إعمار واسع جداً من شأنه أن يرهق سوريا، المثقلة أصلاً بمشاكلها، في التزامات مالية خرافية يستفيد منها الجميع باستثناء السوريين؟

توجد مشاكل جوهرية بين دول الخليج وإيران، مشكلة ذات خلفيات عرقية وثقافية في الأساس، ومع ذلك فإن الأمر لم يمنع مثلاً من وجود تحالفات بين الخليج وإيران ضد مصر عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات، حيث دفعت طبيعة أنظمة الحكم المتحفظة والرجعية، كما وصفها عبد الناصر، إلى وجود تحالف ضد المشروع التقدمي كما ادعته القاهرة، كما أن إيران ودول الخليج وقفت في خندق واحد في الحرب على الشيوعية، وكان شاه ايران منشغلاً بتحقيق تواجد ولو شكلي أو رمزي في آسيا الوسطى لمجرد مضايقة السوفييت. 

الحرب على الشيوعية طرحت بقوة الهوية الدينية للسعودية ودول الخليج العربي، لتنتج فئات واسعة من المتشددين الذين وجدوا الفرصة لإعلان مشروعهم التطهري في أفغانستان، وفي الوقت نفسه صعدت الثورة الايرانية التي استندت في شرعيتها إلى إنتاج المذهب الشيعي، من أجل تماسك الثورة في ايران، التي عاشت لعقود قبل الثورة في انفتاح أوروبي الطابع كان من الضروري أن يحضر العدو بشكل دائم من أجل أن المحافظة على الايرانيين، بجانب بعضهم بعضا والحيلولة دون الوقوف في مواجهة داخلية تفجر تناقضات النظام وتشتته بين الحداثة وغياهب ثأر تاريخي يمتد من دون نهاية، ويأخذ نزعة انتظار نهاية العالم للتمهيد لمجيء المخلص، الذي هو في الحالة الايرانية المهدي المنتظر. 

دولتان كبيرتان في الحجم وفي الموارد، وكلتاهما تقوم على شرعية دينية تبشيرية ودعوية، ولذلك يجب دائماً عليها أن يتم تصدير الفائض المتعصب والباحث عن الجنة المتخيلة على الأرض، أو الوصول إلى جنة السماء من طريق مختصرة، هاتان الدولتان وضعتا في مواجهة مباشرة حول مسطح مائي ثري بالنفط، فأي وصفة أكثر اغراء لحرب كبيرة يحتاجها العالم اليوم، مع أن التاريخ يثبت أن الحرب ليست ضرورية، وأنه يمكن البحث أصلاً عن أفق لتعاون دول المنطقة في مواجهة مخاطر أخرى تأتي من الخارج. 

عملياً يمكن لإيران والجارات في الخليج الهروب من الحرب، خطوات جريئة فقط يحتاجها البلدان للقفز فوق الفخ الذي تغطيه الإغراءات الدولية، خاصة الأمريكية، بتقديم الدعم المفتوح، بينما يقدم بوتين إيماءات مريحة بالنسبة للايرانيين، فالحرب في الخليج أقل تكلفة بالنسبة للأمريكيين والروس من الحرب في أوكرانيا، أو جورجيا، والحرب بالوكالة ستؤدي غرض الحرب المباشرة نفسه، ولكن من دون أن تشكل مساساً بالدول الكبرى، التي تمتلك صبراً مثالياً وضبطاً متكاملاً للنفس مع كوريا الشمالية. 

المشكلة في اليمن بدأت في طهران في جزء منها، ولكن أيضاً لا يمكن تناسي الدور السعودي الذي كان متسامحاً ومتساهلاً للغاية مع علي عبد الله صالح، الذي استطاع أن ينقلب على الجميع، وربما كانت عودته من الرياض بعد تلقيه العلاج من حادثة الحرق الشهيرة بداية أزمة اليمن الراهنة، فالدعم الايراني للحوثيين لم يكن جديداً، كما أنه لم يكن كبيراً أو واسعاً، وأتى من مجرد المحافظة على مكان في هذه المنطقة، ولكن الفرصة التي قدمها صالح واغراءه بتقدم الحوثيين لالتهام اليمن، فجّرت الصراع الشرس المستمر إلى اليوم، وبذلك استطاع صالح أن يعيد إنتاج طموحاته ومشروع أسرته في اليمن على حساب الجميع. 

مع الاستغلاق في اليمن، يوجد بصيص من الضوء في العراق، يجب أن يتم الالتفات له بصورة عاجلة، خاصة بعد الدفعة المعنوية التي تحصلت عليها حكومته بعد إجهاضها الانفصال الكردي، فالعراق كان يشكل رمانة الميزان في العلاقة بين ايران ودول الخليج، وكان نتيجة تركيبته المذهبية والسكانية يمتص صدمات الصراع ويستوعبها، وبالطبع يحقق مكتسبات من وراء ذلك، والانفتاح السعودي ـ العراقي من جهة، مع طبيعة التواجد الايراني في العراق، أمور تجعل بغداد حاجة ضرورية في حالة توفرت لديها فرصة التحرك، والتمكن من الوساطة أو الدخول في تسوية معقولة بين ايران ودول الخليج، مع إعطاء الفرصة للعراقيين للتحرك إيجابياً وتجنيبهم الإرهاق نتيجة متابعة المواقف المتناقضة في الرياض وطهران. 

طبول الحرب بدأت تدق في المنطقة، وترامب وبوتين ينظران للوضع كفرصة ذهبية يمكن أن تعطيهم الحرب التي يحتاجونها، وتوجد فرصة لإعادة ترتيب المشهد في حالة وجود خطوات جريئة، خاصة أن الدول المطلة على المشهد مباشرة تفضل أن تحتفظ بمسافة من أجل المناورة، فتركيا ومصر لم تدخلا في الأسبوع الماضي على وتيرة التصعيد، وحديث الرئيس السيسي عن الخط الأحمر في الخليج هو تصريح سياسي، أكثر مما يمثل التزاماً حقيقياً قابلا للصرف بصورة فورية، فالمصريون في حالة تدهور الموقف سيضطرون لأن يوسعوا دورهم الدبلوماسي، وأخذ المبادرة من الرياض تجاه البحث عن صفقة توازن بين التزامهم بأمن الخليج ومصالحهم على المدى البعيد، والأمر كذلك بالنسبة لتركيا التي تعيش أزمات متتابعة ولا تجد نفسها بحاجة لحرب في المنطقة، تحول دون قدرتها المحافظة على استقرارها الداخلي وتحرجها بضرورة التدخل بوصفها دولة وازنة في الإقليم. 

سيرحل ترامب يوماً، وغالباً بعد فترة رئاسية واحدة، ولذلك فهذه الحرب غير ضرورية، وليست في موقعها المناسب، فهي الحرب التي يريدها الأمريكيون لأنها ستوفر عليهم دخولهم في حروب أخرى لا يستطيعون تحمل تكلفتها في هذه المرحلة، كما أن هذه الحرب لا يمكن أن تنهي الصراع فلا طريق لأن تعتبر حرباً حاسمة تستحق المغامرة من الأساس، فالعرب والايرانيون واقع في المنطقة لم يتبدل، على الرغم من التبدلات الواسعة على مشهد القوى العالمية من زمن التوسع البرتغالي والهولندي، وبعده زمن المنازلة الطويلة بين فرنسا وبريطانيا، وسيبقى الشعبان في هذه العلاقة الصعبة من الجوار إلى الأبد، وعليهما أن يعرفا حدود اللعبة. 

*كاتب أردني
المصدر: القدس العربي

كيفية إنهاء الحرب في شرق أوكرانيا

/ لا تعليقات

كتب المقال / ألكسندر فيرشبو

رغم المخاوف من أن يتخلى ترامب عن أوكرانيا بغية إعادة ضبط العلاقات مع موسكو، اتخذت الإدارة الأميركية موقفاً واضحاً يعتبر أن إقامة علاقات أفضل مع روسيا مستحيلة من دون حل الأزمة الأوكرانية. كذلك طوّر مسؤولو الإدارة استراتيجية متماسكة منطقية هدفها التوصل إلى حل دبلوماسي، وعيّنوا دبلوماسياً قديراً، كورت فولكر، لتطبيقها.

في المقابل أدرك بوتين أن العقوبات لن تُرفع مجاناً وأن تفكيك الوحدة عبر الأطلسي ليست بالسهولة المتوقعة، وعلاوة على ذلك عليه اليوم تقبّل احتمال أن تمد الولايات المتحدة أوكرانيا بمزيد من الأسلحة الدفاعية، مما يصعّب شن أي هجوم جديد من دون المخاطرة بالتعرض لخسائر كبيرة، علماً أن هذه مسألة حساسة بالنسبة إلى بوتين في روسيا.

إذاً يبدو أن استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة بدأت تثمر، وقد يشكّل اقتراح بوتين نشر قوات لحفظ السلام في شهر سبتمبر إشارة إلى أنه يبحث عن وسائل للحد من خسائره. قد لا يتخذ بوتين قراره قبل الانتخابات الرئاسية الروسية عام 2018، ولكن حتى بعد الانتخابات لا نعلم يقيناً ما إذا كان سيعيد لأوكرانيا سيطرتها الكاملة على دونيتس أو قد يميل إلى تجميد الصراع وإنشاء دولة دمية أخرى مثل ترانسنيستريا.

يكمن التحدي في إقناع بوتين باختيار المسار الصحيح: تطبيق اتفاقية مينسك بالكامل. علينا أن نمتحنه على طاولة المفاوضات باقتراح قوة حفظ سلام متينة تعيد إلى أوكرانيا سيطرتها الكاملة على دونيتس، مظهرين له في الوقت عينه أن كلفة استمرار الاحتلال سترتفع لا محالة بمرور الوقت.

يجب أن يُحدَّد تفويض قوة حفظ السلام بوضوح وبطريقة تتيح لها تطبيق اتفاقية مينسك بكامل أوجهها لا حماية مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فحسب، كما اقترح بوتين، ويلزم أن تحظى هذه القوة بالقدرة على التجوّل في الأراضي المحتلة كافةً، فضلاً عن صلاحية ضبط كامل الحدود الدولية، وتشكّل هذه خطوة بدهية بغية منع استمرار نقل الأسلحة الروسية عبر الحدود والحؤول دون عودة الرجال الخضر الصغار أو "المتطوعين" بعد رحيلهم، بالإضافة إلى ذلك ينبغي منح هذه القوة صلاحية فرض وقف لإطلاق النار وسحب كل الأسلحة الثقيلة، وتطبيق القانون والنظام، وضمان أمن المدنيين، بمن فيهم اللاجئون والمهجرون العائدون. ومن الضروري أيضاً أن تشرف على إنشاء إدارة مدنية مؤقتة تابعة للأمم المتحدة تعيد إرساء الحوكمة الفاعلة، وتعد العدة للانتخابات، وتسهّل العودة إلى السيادة الأوكرانية.

لن نحقق أياً من هذه الخطوات إن لم نضغط على بوتين ونحمله على التفاوض بجدية، فعلى الإدارة الأميركية أن تلتزم بتصريحاتها المتكررة عن تزويد أوكرانيا بأسلحة دفاعية، فيبدو أن القادة العسكريين الأوكرانيين مهتمون على الأمد القصير بتجهيزات غير فتاكة مثل المزيد من رادارات رصد مصادر النيران، وطائرات الاستطلاع من دون طيار، والآليات المدرعة، ووسائل الاتصال الآمنة. ولكن إذا رفضت روسيا التهدئة، فقد يحتاجون إلى أنظمة فتاكة، مثل الأسلحة المضادة للدبابات، لتشكّل وسيلة ردع إضافية في وجه أي اعتداءات روسية جديدة، وقد يكون تسليم هذه الأسلحة مرتبطاً بالتطورات على الأرض.

لا يهدف مدّ أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة إلى تشجيع الحكومة على السعي إلى تحقيق انتصار عسكري لأن كييف تدرك أن هذا مستحيل. على العكس، الغاية الرئيسة مساعدة أوكرانيا في حماية قواتها والحد من الخسائر، وردع روسيا برفع كلفة أي اعتداء إضافي، وزيادة الضغط على روسيا ودفعها إلى التفاوض بجدية بشأن تطبيق اتفاقية مينسك.

هل يكون كل هذا كافياً لتبديل حسابات بوتين؟ ما من خطوات تضمن ذلك، إلا أنها قد تحدث فارقاً، وحتى لو لم تبدل العقوبات الأكثر تشدداً والمساعدة الأمنية المتنامية حسابات بوتين بشأن دونيتس، فإنها تصعب عليه زعزعة الاستقرار في أوكرانيا، وفي تحليل أخير تبقى القوة الكبرى في وجه طموحات بوتين في دونيتس نجاح أوكرانيا في التحوّل إلى مجتمع ديمقراطي مزدهر.

الصين والحرب في اليمن: عدم الانحياز والحل السلمي ... رايموند لي

2015-05-07 / لا تعليقات

ملخص
يؤكد التقرير أن موقف بكين الرسمي من الأزمة اليمنية يقوم على كثيرٍ من الحذر والانتقائية للموازنة بين أطراف الصراع المحليين والإقليميين بهدف الحفاظ على مصالح الصين الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط التي تتطلب حلًّا سلميًّا للأزمة، وقد صوَّتت الصين في هذا الإطار لصالح قرار الأمم المتحدة رقم 2216 الذي يحظر مبيعات الأسلحة للمقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران، ودعت بنفس الوقت إلى وقف الضربات الجوية التي تقودها السعودية. وهي تلتقي بذلك مع الموقف الباكستاني الذي أحجم عن التدخل العسكري لصالح السعودية في اليمن لكنه وقف معها سياسيًّا. وهذا لأن بكين ترى -كما أميركا وروسيا- أنه لا ينبغي للصراع في اليمن بأية حال أن يعوق عملية التفاوض الجارية حول برنامج إيران النووي وأن الأولوية هي للتأكد من سلميته والحؤول دون انتشار الأسلحة النووية في المنطقة.

مقدمة
فاقمت الحرب الأهلية بين الحوثيين والقوات الحكومية ومقاتلي القاعدة، منذ اندلاعها في 19 مارس/آذار، من التوتر في الشرق الأوسط(1)؛ حيث انقسمت ردود أفعال دول مهمة على مستوى الإقليم والعالم؛ فدول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، باستثناء عُمان، وبدعم من الولايات المتحدة الأميركية بادرت إلى تدخل عسكري من خلال توجيه ضربات عسكرية ضد الحوثيين(2). كما دعمت دول أخرى مثل مصر والأردن والمغرب والسودان الضربات الجوية بقيادة السعودية(3)، بينما عارض كل من إيران وروسيا التدخل العسكري ودعوتا إلى حلٍّ سلمي عبر مفاوضات متعددة الأطراف(4)

وحافظ كل من الصين وباكستان على حيادهما بشأن العمل العسكري، غير أنهما دعوتا إلى وقف إطلاق النار وحثَّتا على بذل جهود دولية لحلِّ الأزمة من خلال المحادثات السياسية بدلًا من الحرب(5).

يُظهر موقف بكين الرسمي كثيرًا من الحذر والانتقائية حيال الحرب في اليمن؛ إذ كرر الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية دعوة بلاده جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار ودعوة الأمم المتحدة إلى لعب دور قيادي في حلِّ الصراع من خلال المفاوضات السياسية(6). ولم تقدم بكين ما يكفي من التوضيح بشأن موقفها من الصراع، ورفضت أن تنحاز لأي جانب عند إلحاح المراسلين الصحفيين في السؤال عن موقف الصين من التدخل العسكري بقيادة السعودية(7). في الحقيقة، اقتصر تأكيد بكين على أنها تدعم حلًّا سلميًّا يستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ومبادرات مجلس التعاون الخليجي، ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، واتفاقية السلم والشراكة الوطنية(8). ويُظهر مثل هذا الموقف أن بكين تعمَّدت أن تخفي ميولها السياسية وتسعى لأن تلعب دور وسيط السلام في الأزمة اليمنية، وهو موقف مقبول من جميع الأطراف.

وعلى الرغم من ذلك، مارست الصين تأثيرًا على السعودية من أجل وقف الضربات الجوية؛ ففي 18 إبريل/نيسان نشرت وزارة الخارجية الصينية خبرًا على موقعها الرسمي يفيد بأن الرئيس الصيني شي جينبينغ أجرى اتصالًا هاتفيًّا مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز ليُعرب عن مخاوف الصين من الأزمة في اليمن ويحث على حلِّ الصراع عبر الوسائل السياسية(9). ويشير النشر المقصود لهذا الخبر، دون سواه، إلى أن أكثر ما يهم بكين هو وقف التدخل العسكري. ومن هنا، فإن موقف الصين لا يُعدُّ محايدًا بالكامل دون أية مرجعيات سياسية، ولكنه بالأحرى يميل بشكل ضمني إلى وجهة نظر كلٍّ من إيران وروسيا، وهذا يفسِّر الحذر الذي أبدته بكين في تعاملها مع هذه المشكلة.

مصالح بكين في المنطقة
ترى الصين أن "حماية استثماراتها الاقتصادية وسلامة عامليها في اليمن" يمثِّل أكثر مصالحها عرضة للتهديد نتيجة الحرب الأهلية في البلاد، وبحسب إحصاءات نشرتها وزارة الخارجية الصينية، فإن الصين لديها 14 مشروعًا في اليمن يعمل فيها نحو 460 عاملًا وتتركز في مجالات استخراج النفط، والاتصالات، والإنشاءات، والطرق والجسور، ومزارع الأسماك(10). هذا ويُعَدُّ حجم الاستثمار الصيني في اليمن صغيرًا إلى حدٍّ ما، وكانت بكين بصدد تقويته وتوسيع استثماراتها الاقتصادية هناك، ولكن بسبب تفاقم الأزمة في اليمن، أجْلَت رعاياها وأغلقت سفارتها بشكل مؤقت منذ السادس من إبريل/نيسان 2015(11).

وتتخوف الصين من احتمال تعثر طرق إمداد النفط الخام في المنطقة، ليس بسبب إمكانية انقطاع واردات النفط من اليمن، إنما بسبب المخاطر التي قد تنجم عن سيطرة الحوثيين على ميناء عدن وإعاقتهم لممرات النقل البحري في خليج عدن(12). فمن الناحية الاستراتيجية، يعتمد 50% من استهلاك الصين للنفط على الواردات، فهي تستورد 12% من استهلاكها من السعودية، و11% من إيران، و13% من كلٍّ من العراق والكويت وعُمان مجتمعةً(13). لذا تحرص الصين على علاقات جيدة مع كل الأطراف في هذه المنطقة، وتعتبر أن السيناريو الأسوأ هو تطور الصراع العسكري في اليمن بما يؤدي إلى عرقلة طرق نقل النفط عبر ممري هرمز وباب المندب.

كما أن احتواء نمو "التشدد الإسلامي" يُعدُّ مصلحة مهمة في سياسة بكين تجاه الشرق الأوسط عمومًا(14). ومع ذلك تتعامل الصين بحذر كبير مع هذه القضية حتى لا يتم تفسير مواقفها بشكل خاطئ سواءً من قِبَل الدول الغربية أو العالم الإسلامي. وعلى الصعيد المحلي، فإن "موجة أحداث العنف" في شينجيانغ (تركستان الشرقية) مستمرة منذ عام 2009، وتدَّعي الصين أن هذه النشاطات "الإرهابية" لها ارتباطات بتنظيم القاعدة(15). وادَّعى مسؤولون صينيون مؤخرًا أن بعضًا من أقلية الإيغور المسلمة الذين انضموا إلى تنظيم الدولة قد عادوا إلى الصين لينخرطوا في نشاطات "متشددة وإرهابية"(16). واستنادًا لخلفية الحرب الأهلية في اليمن، يبدو في حكم المؤكد أن الصين تراقب باهتمام نمو "الإرهاب" داخل اليمن، وتحديدًا بعد أن فقدت حكومة الرئيس هادي سيطرتها الفعَّالة على معظم أراضي البلاد. وعلى الرغم من التقاء مصالحها مع الولايات في محاربة الإرهاب، فإن الصين لم تنضم بشكل رسمي إلى التحالف العالمي الذي تقوده الأولى في "الحرب على الإرهاب"، لأن الصين ترى أن عليها أن تحتفظ باستقلالها في صياغة سياساتها في "محاربة الإرهاب" دون أن تقع في فخ الصدام بين الغرب والعالم الإسلامي(17).

أما القضية الأخيرة في هذا السياق فتتعلق بسياسات الدول العظمى؛ إذ من المعروف أن الصين تتبنى استراتيجية توازن ضد السيطرة الغربية في الشرق الأوسط(18)، ومن ذلك أن الصين اعتادت أن تصطف إلى جانب روسيا في الأمم المتحدة للحدِّ من نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها بشكل استراتيجي؛ فالصين لم تستخدم حق النقض فقط ضد إحالة القضية السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية في الأمم المتحدة، ولكنها أيضًا تتبنى وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالعقوبات على إيران والقضية الفلسطينية، ومع ذلك فإن الصين تقف إلى جانب الغرب لتضمن أن إيران لن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. ويَظهر التعقيد الذي تتميز به سياسات الصين تجاه الشرق الأوسط في الطريقة التي تُوازن فيها الصين مصالحها المشار إليها في الأزمة اليمنية، فمن جهة ستستمر الصين في الوقوف إلى جانب كل من روسيا وإيران في موازنة الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، ومن جهة ثانية، فإن الصين لا تريد أن ترى اليمن مجزَّءًا ومضطربًا لأن ذلك يمكن أن يحوله إلى عامل تفجير في الشرق الأوسط.
الاتجاه الحالي في الخارجية الصينية
تتبع الصين منذ تسعينات القرن الماضي استراتيجية دينغ شياو بينغ في سياستها الخارجية تحت شعار: "لا يضرُّنا أن ننبطح بانتظار فرصتنا السانحة"؛ وذلك من أجل تحقيق تحديث سريع الخطوات دون استفزاز أو إثارة القوى العظمى التي يمكن أن تعوقه(19)، ويقوم جوهر هذه الاستراتيجية على تجنُّب الصين أي استهداف لها بوصفها قوة تهديد أو تصحيح للوضع القائم على الصعيد الدولي من قبل القوى الكبرى. غير أن صعود الصين في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2009، قد أحدث نقاشًا بشأن تغيير السياسة الخارجية الصينية في أوساط علماء العلاقات الدولية، تركَّز فيما إذا كان تفكير دينغ ما زال يخدم مصالح الصين بالطريقة المثلى. وتحولت هذه النقاشات وغيرها إلى أجندة سياسية جديدة لبكين تحت شعار "نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى"(20)، ويمكن تفسيرها بطرق مختلفة إلا أنها تتميز عن سياسة دينغ في أن الصين تسلك طريقًا أكثر تأكيدًا فيما يتعلق بانخراطها في السياسات الدولية، حتى إن بعض العلماء يقترحون على الصين أن تُقِرَّ بوضعها كقوة عظمى وأن تتصرف كلاعب مسؤول بدلًا من إنكارها لهذا الدور(21).

وفي أعقاب صعود شي جينبينغ إلى هرم السلطة في عام 2013، قامت الصين بخطوات مهمة باتجاه إدماج هذه الأفكار في سياستها الخارجية، ويتجلَّى هذا الاتجاه في ثلاثة من التغييرات التي جرت مؤخرًا؛ أولها: أن الصين تسعى إلى الاشتراك بفاعلية في المؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة للانخراط في الشؤون الدولية(22)، وثانيها: أن الصين تنوي زيادة تأثيرها الدولي عن طريق اقتراح مبادرات إقليمية على الصعيد الاقتصادي والسياسي مثل "حزام واحد وطريق واحدة"، و"البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية"(23)، وثالثها: أن الصين باتت أكثر حزمًا فيما يتعلق بالأراضي المتنازع عليها، وخاصةً في بحر الصين الجنوبي من خلال استصلاح الأراضي وتشييد مدرج عسكري ضخم لهبوط الطائرات(24).

وبالنظر إلى التغير في السياسة، فإن المصالح الأهم المتصلة بالأزمة اليمنية تتمثل في المقام الأول في تأمين واردات النفط الخام ومن ثم الاعتبارات السياسية في مجال سياسات القوى العظمى. ومن أجل الحفاظ على علاقات ملائمة مع جميع الأطراف المعنية، صوَّتت الصين لصالح قرار الأمم المتحدة رقم 2216 بشأن اليمن، والذي يحظر مبيعات الأسلحة للمقاتلين الحوثيين(25). ولكن في غضون ذلك، حثَّت بكين بشكل علني على وقف الضربات الجوية بقيادة السعودية من أجل معادلة الأثر السياسي لتصويتها في الأمم المتحدة(26). وترغب الصين من ذلك في إيصال رسالة مفادها أنها لم تقف إلى جانب أي طرف ولكنها أكدت في المقابل على أهمية الحل السلمي عبر مفاوضات سياسية متعددة الأطراف.
الحسابات الإقليمية
اتبعت الصين سياسة متوازنة تجاه الشرق الأوسط وسعت إلى الحفاظ على وضع قائم أساسه "السلْم"، ويشار على هذا الصعيد إلى أحد التداعيات المحتملة للأزمة اليمنية ربطًا بعلاقات الصين مع باكستان حيث رفضت الأخيرة الطلب السعودي بالانضمام إلى التدخل العسكري ضد الحوثيين(27)، وهذا يجعل الرفض الباكستاني يبدو مناقضًا للموقف الصيني من القرار الأممي ضد الحوثيين، إلا أن الحقيقة أن باكستان والصين تلتقيان في انتقائيتهما في التعامل مع هذه القضية الحساسة وفي عدم اتباعهما لنسق واحد. فرفض باكستان المشاركة في التدخل السعودي يرجع إلى انقسام المواقف المحلية وغياب الإجماع السياسي بشأن دوافع التدخل في الأزمة اليمنية؛ ذلك أن الأقلية الشيعية والجماعات المحلية المسلحة لديها مقاربات مختلفة في قراءة الصراع العسكري داخل اليمن. وفي ضوء ذلك بدت الاستراتيجية الأمثل لباكستان في أن تنأى بنفسها عن التورط في "حرب الوكالة" بين الرياض وطهران، وأن تُظهر بالوقت نفسه موقفًا متعاطفًا ومؤيدًا للسعودية دون أي انخراط فعلي في الصراع الدائر في اليمن. ويتجلَّى مثل هذا الجهد في خطاب رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف عندما أكَّد أن باكستان والسعودية حلفاء استراتيجيون، وسلَّط الضوء على التفسير الصحيح لقرار البرلمان الباكستاني من أن "باكستان ستدافع عن وحدة أراضي المملكة السعودية" في حال تعرضها للخطر(28). بدا واضحًا أن ما يقترحه شريف هو أن باكستان ستبقى حليفًا قويًّا للسعودية، ولكنها تريد أن تظل على الحياد في هذه القضية نظرًا لأسباب تتعلق بالسياسة المحلية، وتعتقد باكستان أن الأزمة اليمنية ينبغي أن تُحلَّ سياسيًّا وبطريقة سلمية.

يُشير التحليل أعلاه إلى أن العلاقة بين الصين وباكستان من غير المرجح أن تتأثر رغم ما يبدو أنه اختلاف في ردود الفعل حيال طلب الدعم السعودي، وسيسعى كلا البلدين إلى لعب دور حيادي وبذل الجهود الدبلوماسية لتصويب ما يمكن اعتباره تفسيرًا خاطئًا لقراراتهما السياسية في أنهما تفضلان أحد الأطراف على حساب الآخر، وعلى غرار ذلك يُرجَّح أن باكستان كانت ستصوِّت لصالح القرار الأممي بشأن اليمن لو كانت عضوًا في مجلس الأمن الدولي. وعمومًا فإن الصين وباكستان ستفعلان الأشياء ذاتها لتصويب ما يمكن فهمه على أنه تفضيل للرياض أو طهران.

الحسابات الدولية
أحدث صعود الصين مع رئيس واثق مثل "شي جينبينغ" تغييرًا مهمًّا في سياسة بكين الخارجية، وتأسيسًا على ذلك، لا تعتبر الصين الأزمة اليمنية مجرد حرب أهلية أو حرب بالوكالة، لكنها إلى حدٍّ ما ترى فيها صراعًا إقليميًّا له تداعياته الاستراتيجية العميقة على سياسات القوى العظمى، وعلى بكين أن تفكر مليًّا في القضايا ذات العلاقة وكيف يمكن لردود فعلها أن تُفسَّر أو أن يُرَدَّ عليها من قبل القوى العظمى الأخرى. من هذا المنطلق فإن ما يهم الصين في الحقيقة هو المواقف التي يتخذها كل من الولايات المتحدة وروسيا وكيف يمكن لهما أن تتحركا بشأن هذه القضية. وما يبدو مثيرًا للاهتمام أن دعم كل من الولايات المتحدة وروسيا للتدخل الذي تقوده السعودية في اليمن يبقى "رمزيًّا"، لأنه رغم ما قدمته واشنطن من دعم لوجستي وسياسي للسعودية، فإنها لا تزال -والقوى الخمسة الرئيسية- تفاوض إيران للوصول إلى تسوية بشأن ملفها النووي؛ ما يعني أن قضية الملف النووي الإيراني لها أولوية أكبر في أجندة القوى العظمى مقارنةً بالحرب في اليمن. وتمشيًا مع هذا التوجه، فإن روسيا لم تقف عائقًا أمام القرار وإنما اكتفت بامتناعها عن التصويت لتُظهر موقفها، كما أنها تبنَّت موقفًا مشابهًا للموقف الصيني من الأزمة اليمنية من خلال دعوتها لوقف الأعمال العسكرية وسعيها إلى حلٍّ سلمي عبر المحادثات السياسية. ومن وجهة نظر بكين، فإن القوى العظمى الثلاثة تتشارك في أمور أكثر من تلك التي تختلف بشأنها في مقاربتها للمشكلة الحالية في الشرق الأوسط؛ ذلك أنها تتفق إلى حدٍّ ما على أن الصراع في اليمن لا ينبغي له بأية حال أن يعوق عملية التفاوض حول برنامج إيران النووي، لأن هناك مصلحة استراتيجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين تلتقي في قضية واحدة ألا وهي ضمان أن يقتصر البرنامج النووي الإيراني على الاستخدامات السلمية وأن لا تنتشر الأسلحة النووية في المنطقة.
_____________________________________
رايموند لي - مختص في الشأن السياسي والدراسات المسحية في شرق آسيا.

المصادر
1. "Yemen Crisis: Who is Fighting Whom?" BBC News, 2015-03-26.
http://www.bbc.com/news/world-middle-east-29319423
[retrieved Apr 19, 2015]
2. Dan Roberts and Kareem Shaheen, "Saudi Arabia Launches Yemen Air Strikes as Alliance Builds against Houthi Rebels", theguardian, 2015-03-26.
http://www.theguardian.com/world/2015/mar/26/saudi-arabia-begins-airstrikes-against-houthi-in-yemen
[retrieved Apr 19, 2015]
3. Marie Cabural, "Yemen Conflict: Which Countries Support And Oppose Saudi Arabia", ValueWalk, 2015-03-31.
http://www.valuewalk.com/2015/03/yemen-vs-saudi-arabia/
[retrieved Apr 19, 2015]
4. "Iran, Russia Demand Immediate Halt to Saudi-led Intervention in Yemen", RT, 2015-03-26.
http://rt.com/news/244373-iran-yemen-saudi-airstrikes/
[retrieved Apr 19, 2015]
5. Adam Taylor, "What Yemen’s Crisis Reveals about China’s Growing Global Power", The Washington Post, 2015-03-31.  http://www.washingtonpost.com/blogs/worldviews/wp/2015/03/31/what-yemens-crisis-reveals-about-chinas-growing-global-power/ [retrieved Apr 19, 2015]; Muhammad Tahir, "News analysis: Pakistan Opts for Neutral Stance in Yemen Conflict", Xinhuanet, 2015-04-11.
http://news.xinhuanet.com/english/2015-04/11/c_134142899.htm
[retrieved Apr 19, 2015]
6. خلال الفترة من 19 مارس/آذار وحتى 18 إبريل/نيسان كرَّر الناطق الرسمي باسم الخارجية الصينية خمس مرات (في 26 و27 و30 مارس/آذار، وفي 7 و18 إبريل/نيسان2015 ) نفس التصريح عن اليمن فيما يتعلق بدعوة جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار والتفاوض وصولًا إلى حل سلمي.
See the official website of Chinese ministry of foreign affairs http://www.fmprc.gov.cn/mfa_chn/
[retrieved Apr 19, 2015]
7. "Foreign Ministry Spokesperson Hua Chunying's Regular Press Conference on March 30, 2015", Ministry of Foreign Affairs, the People's Republic of China, 2015-03-30. http://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2535_665405/t1250354.shtml
[retrieved Apr 19, 2015]
8. "Foreign Ministry Spokesperson Hua Chunying's Regular Press Conference on March 26, 2015", Ministry of Foreign Affairs, the People's Republic of China, 2015-03-26.
http://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2535_665405/t1248965.shtml
[retrieved Apr 19, 2015]
9. "Xi Jinping Talked with King Salman of Saudi Arabia on the Phone", Ministry of Foreign Affairs, the People's Republic of China, 2015-04-18.
http://www.fmprc.gov.cn/mfa_chn/zyxw_602251/t1255849.shtml
[retrieved Apr 19, 2015]
10. "Ministry of Commerce: PRC Navy Evacuate 571 people from Yemen", CHINADAILY.COM.CN, 2015-03-31.
http://china.chinadaily.com.cn/2015-03/31/content_19961370.htm
[retrieved Apr 19, 2015]
11. "Foreign Ministry Spokesperson Hua Chunying's Announcement of the Temporary Closure of the Chinese Diplomatic and Consular Missions in Yemen", Ministry of Foreign Affairs, the People's Republic of China, 2015-04-06. http://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2535_665405/t1252339.shtml
[retrieved Apr 19, 2015]
12. Adam Taylor, "What Yemen’s Crisis Reveals about China’s Growing Global Power".
13. Zhang Jian, "The Source of Imported Oil for China? By Number", FRACp-China, 2015-03-12.
http://www.fracchina.com/report/336
[retrieved Apr 19, 2015]
14. Chen Jianyu, "Yemen: The Next Hotbed of ISIS", Insight Post, 2015-01-28. http://www.insight-post.tw/eurasia/20150128/11508
[retrieved Apr 19, 2015]
15. "Taliban: A Buddy of Xinjiang Independence Movement", SOHU WORLD, 2013-06-27. http://news.sohu.com/s2013/shijieguan-396/
[retrieved Apr 19, 2015]
16. "ISIS and Xinjiang: Do Some Uyghurs Really Join ISIS?", Voice of America, 2015-03-05.http://www.voachinese.com/content/isis-uighurs-20150302/2665113.html
[retrieved Apr 19, 2015]
17. Zhang Jiadong (2007), "Common Interests and Difference of China and U.S. in the Middle East", Arab World Studies 2007(March): 50-59.
18. Gabriel Domínguez and Ju Juan, "Soft power - China's expanding role in the Middle East",  Deutsche Welle, 2015-04-02.
http://www.dw.de/soft-power-chinas-expanding-role-in-the-middle-east/a-18233271
[retrieved Apr 19, 2015]
19. Editorial, "Deng Xiaoping’s lasting legacy", The Japan Times, 2014-08-27. http://www.japantimes.co.jp/opinion/2014/08/27/editorials/deng-xiaopings-lasting-legacy/#.VTSFqSGqqko
[retrieved Apr 19, 2015]
20. Rudy deLeon and Yang Jiemian (Eds.) (2014). U.S.-China Relations: Toward a New Model of Major Power Relationship. Center for American Progress. https://cdn.americanprogress.org/wp-content/uploads/2014/02/ChinaReport-Full.pdf
[retrieved Apr 19, 2015]
21. Baohui Zhang (2010). Chinese Foreign Policy in Transition: Trends and Implications. Journal of Current Chinese Affairs 2/2010: 39-68.
22. Yufan Hao, C.X. George Wei, and Lowell Dittmer (2009).Challenges to Chinese Foreign Policy: Diplomacy, Globalization, and the Next World Power. Lexington: University of Kentucky Press, p.28.
23. Philippa Brant, "One belt, one road? China’s community of common destiny", the interprter, 2015-03-31. http://www.lowyinterpreter.org/post/2015/03/31/One-belt-one-road-Chinas-community-of-common-destiny.aspx?COLLCC=2226406180&
[retrieved Apr 19, 2015]
24. Victor Robert Lee, "South China Sea: China Is Building on the Paracels As Well", THE DIPLOMAT, 2015-04-14. http://thediplomat.com/2015/04/south-china-sea-china-is-building-on-the-paracels-as-well/
[retrieved Apr 19, 2015]
25. "Security Council Demands End to Yemen Violence, Adopting Resolution 2216 (2015), with Russian Federation Abstaining", United Nations, 2015-04-14. http://www.un.org/press/en/2015/sc11859.doc.htm
[retrieved Apr 19, 2015]
26. "Xi Jinping Talked with King Salman of Saudi Arabia on the Phone", Ministry of Foreign Affairs, the People's Republic of China.
27. Mohammad Mukashaf, "Pakistan Declines Saudi Call for Armed Support in Yemen Fight", REUTERS, 2015-04-10.http://www.reuters.com/article/2015/04/10/us-yemen-security-idUSKBN0N10LO20150410
[retrieved Apr 19, 2015]
28. "Pakistan Will Defend Saudi Arabia's territorial Integrity: PM Nawaz", Dunya News Network, 2015-04-13. http://dunyanews.tv/index.php/en/Pakistan/273621-Pakistan-will-defend-Saudi-Arabias-territorial-in
[retrieved Apr 19, 2015]
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:   
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

كيف تلعب إيران بأوراقها في غرب إفريقيا؟

/ لا تعليقات
سودانيون يحملون اعلاما سودانية وايرانية اثناء زيارة للرئيس الايراني الاسبق احمدي نجاد للخرطوم  في 2011 (اسوشيتد برس - ارشيف)

الهيبة الشيخ سيداتي

ملخص
كانت القارة الإفريقية وما زالت مسرحا لاهتمام لاعبين دوليين كثيرين، وتتوسع لائحة هؤلاء اللاعبين باستمرار ويزداد نفوذهم في هذه القارة، ومن بين هؤلاء اللاعبين إيران التي حققت اختراقات هامة في إفريقيا سعيا منها إلى كسب مساحات نفوذ متجددة في فضاء استراتيجي ظل إلى وقت قريب أقرب إلى دول الخليج عموما وإلى المملكة العربية السعودية بشكل خاص. صار لإيران حضور ديبلوماسي في أزيد من ثلاثين دولة إفريقية كما أن أربعين دولة من هذه القارة شاركت في القمة الإفريقية الإيرانية في طهران في إبريل/ نيسان 2010. يضاف إلى هذا الدور ما تقوم به الجاليات اللبنانية الكثيرة والمحسوبة على حزب الله اللبناني في القارة الإفريقية من نشر للمذهب الاثني عشري وهو عمل دعوي يصب في النهاية في مصلحة طهران.
وقد شكل النشاط الاقتصادي أبرز مدخل ولجت منه إيران إلى إفريقيا وتجسد ذلك في أكثر من تعاون مع الدول الإفريقية في مجالات التنمية المتعددة. كما استطاعت إيران تعزيز علاقاتها الدينية بالعديد من الدوائر الدينية الإفريقية موظفة العداء التقليدي بين الجماعات الصوفية المنتشرة في بعد الدول الإفريقية وبين بعض المدارس الفقهية والعقدية الإسلامية مثل الحركات السلفية ذات المرجعية الوهابية.
ويلاحظ مؤخرا تحرك سعودي باتجاه القارة الإفريقية تمثل في دعوة بعض رؤساء هذه القارة ممن لهم صلات وعلاقات مع إيران مثل كرؤساء السودان والسنغال وموريتانيا وقد تم استقبالهم في الرياض بحفاوة بالغة وغير مسبوقة، وهو أمر من السهل تفسيره بانزعاج السعودية من التمدد الإيراني في إفريقيا ومحاولة الرياض العودة إلى فضاءاتها الاستراتيجية التي غابت عنها في السنوات الماضية نظرا لاهتمامها بقضايا إقليمية شكلت أولوية بالنسبة للسعودية على حساب اهتمامها التقليدي بالقارة الإفريقية.

تنافس تقليدي متجدد
قد يتبادر إلى الذهن أنه لا يزال من السابق لأوانه الآن التساؤل حول الانعكاسات المحتملة للتوتر الحاصل بين إيران وجيرانها في المشرق العربي على ساحات أخرى بعيدة نسبيًّا عن البؤر التي تشهد في الوقت الراهن حالات توتر بل ومواجهة غير مباشرة أحيانًا، وبوجه خاص طبيعة الانعكاسات التي قد تنتج عن التطورات المذكورة على مستوى بعض بلدان المغرب العربي وغرب إفريقيا.
بيد أن هذا التساؤل يبدو واردًا ومنطقيًّا للغاية بالنظر إلى الأوراق التي يملكها كل واحد من أطراف المواجهة في الخليج وشبه الجزيرة العربية والاهتمام الذي يبديه هؤلاء الفرقاء بالقارة الإفريقية التي شكَّلت خلال السنوات الأخيرة مسرحًا لمنافسة ظلت صامتة في الغالب لكنها باتت مؤخرًا متلاحقة الحلقات ومتسعة الدوائر باطِّراد، لاسيما مع تزايد مؤشرات ثقة الإيرانيين بالاختراقات التي حققوها في أكثر من بلد إفريقي؛ ما أغراهم بتوسيع مجالات التحرك وتنويع أساليب النفوذ الناعم بالتركيز خاصة على المبادلات التجارية والنشاطات الثقافية وبطبيعة الأحوال الدعاية المذهبية، سعيًا إلى كسب مربعات نفوذ أكثر اتساعًا في فضاء استراتيجي ظلَّ إلى وقت قريب أكثر ارتباطًا -لأسباب اقتصادية وسياسية ولاعتبارات مذهبية وتاريخية لا تخفى- بغرماء إيران في منطقة الخليج، وفي مقدمة هؤلاء المملكة العربية السعودية.

يمكن القول -دون مبالغة-: إن إيران سعت منذ مدة وبشكل حثيث إلى كسب حلقات نفوذ في مواقع مختلفة من القارة السمراء، وهي الجهود التي تكثفت خلال السنوات القليلة الماضية حيث عملت طهران على أكثر من محور، فارتفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في القارة بصورة ملحوظة إذ فتحت سفارات لها في أكثر من 30 بلدًا إفريقيًّا خلال العَقد الأخير، وتوسعت دائرة المبادلات التجارية وازدادت قيمتها توازيًا مع هذا النشاط الدبلوماسي، لتصل ذروتها مع مشاركة أكثر من 40 دولة إفريقية في قمة إيران وإفريقيا بطهران سبتمبر/أيلول 2010، ليتضاعف حجم التبادل بين إيران وإفريقيا بعد ذلك، كما ازدهر نشاط بعض الدوائر الثقافية والدينية المرتبطة رسميًّا أو بصفة غير مباشرة بالنظام الإيراني في أكثر من بلد إفريقي، وساعد على ذلك انتشار جاليات شيعية عربية -لبنانية(1) تحديدًا- لها حضور متجذِّر في المنطقة يعود إلى عقود عديدة خَلَت وتتمتع بنفوذ اقتصادي معتبر وعلاقات مصالح متشعبة مع النخب المتحكمة في تلك البلدان حيث امتلكت ثروات طائلة مكَّنتها من التأثير على صُنَّاع القرار من داكار إلى أبيدجان، وأخذ بعض هذا التأثير طابعًا رسميًّا في بعض البلدان الإفريقية بفعل النفوذ المتزايد الاقتصادي المتزايد للجاليات الشيعية فيها؛ حيث تشير معطيات شبه رسمية إلى امتلاك الجالية اللبنانية الشيعية حوالي 60% من القطاعات الاقتصادية الحيوية في ساحل العاج، و80% من شركات جمع وتصدير القهوة والكاكاو، وقدَّرت بعض الدراسات نسبة حضورهم بحوالي 80% في تجارة الماس في سيراليون(2).

من الواضح أن هذا التمدد الإيراني ظل محل متابعة واهتمام من طرف منافسي إيران الإقليميين، خاصة المملكة العربية السعودية، التي تتمتع بعلاقات قوية مع بلدان مؤثرة في المنطقة، وترتبط بمستويات عالية من التنسيق مع دول مثل المغرب التي تربطها صلات وثيقة مع معظم بلدان منطقة الصحراء والساحل خاصة، حيث يتمتع العرش العلوي بصلات تاريخية متجذرة وتحالفات سياسية قوية مع معظم الدوائر الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في تلك البلدان. ومن الوارد تمامًا افتراض أن هذا النفوذ المغربي والتحالف الاستراتيجي بين المغرب والسعودية لم يكونا غائبين عن المتاعب التي واجهتها طهران في علاقتها الرسمية ببعض بلدان إفريقيا الغربية مثل غامبيا وبدرجة أقل السنغال أواخر سنة 2010، بعد أن كانت المغرب قد أقدمت على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بمبررات عديدة كان من بينها ما وُصِف بأنه ممارسة السلطات الإيرانية نشاطات "تستهدف الإساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة، والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني"(3).

 مداخل نفوذ إيراني ملحوظ
هناك جملة من المداخل مثَّلت منافذ استطاعت الجمهورية الإسلامية في إيران أن تتغلغل من خلالها داخل القارة بما في ذلك بعض بلدان شمال وغرب إفريقيا؛ حيث تمكنت من توطيد علاقاتها الدبلوماسية بأكثر من حكومة، ووضعت أسسًا لبناء شراكة اقتصادية وتعاون في مجال التنمية على أكثر من صعيد، والأهم من ذلك أنها نجحت في نسج شبكة علاقات داخل عدد من الأوساط الاجتماعية ومدَّت جسورًا للتواصل مع بعض الدوائر التي يمكن أن تشكِّل حصان طروادة لنشر المذهب الشيعي في بلدان ظلت خالصة للمذاهب السنية لاسيما المذهب المالكي منها، ولعل أبرز تلك المنافذ هي:  
  • اللعب على المحاور الدبلوماسية: فقد عملت إيران خلال العقدين الماضيين على توطيد علاقاتها مع عدد من الدول الإفريقية التي تنزع قياداتها إلى اتخاذ مواقف مناهضة -بهذا القدر أو ذاك- لسياسات القوى الغربية ونفوذها التقليدي في القارة، وساعد إيران في هذا المسعى، فضلًا عن إغراء إمكاناتها المالية، ما يُعرف عنها من نهج قائم على سياسة الممانعة؛ وهكذا استطاعت أن تفتح قنوات تعاون وتشاور مع أكثر من واحد من البلدان الإفريقية ذات التقاليد المناهضة للإمبريالية وتلك التي عرفت علاقتها بالغرب مستوى من التأزم أو الجفاء خلال العقدين الماضيين، كما استغلت إيران بعض الأزمات الداخلية وحالات التوتر على المستوى الإقليمي للتقارب مع أنظمة اضطرتها ظروف خاصة للبحث عن سند اقتصادي أو دبلوماسي، كسعي السنغال للتقارب مع إيران لضمان استضافة هادئة وتنظيم ناجح لقمة المؤتمر الإسلامي بداكار 2008، وكتقارب النظام الموريتاني غير المسبوق مع طهران بُعيْد الحصار الغربي الذي فُرض عليه بُعيد انقلابه نهاية العام 2008، كما ساعد الخلاف المتصاعد بين زيمبابوي وبريطانيا -والغرب عمومًا- على خلفية مصادرة أراضي البِيض(4) في دفع الرئيس موغابي -الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي- للمضي في تحالفه القوي مع إيران، وهو التحالف الذي تُوِّج بزيارة رئيس إيران أحمدي نجاد لهراري في العام 2010.

  • السعي إلى تطبيع العلاقات الرسمية: في ذات السياق، بذلت طهران على امتداد العقدين الأخيرين جهودًا استثنائية لتطبيع وضعها الدبلوماسي الرسمي، في مسعى للالتفاف على العزلة النسبية الناجمة عن توتر علاقتها بالعواصم الغربية والحذر الذي ظلَّ يطبع علاقتها بمعظم جيرانها. وهكذا تضاعف عدد سفارات الجمهورية الإسلامية في البلدان الإفريقية ليقفز من أقل من عشرين سفارة إلى قرابة الأربعين خلال فترة لا تتجاوز عقدين من الزمن. وبتأثير هذا الانفتاح الدبلوماسي تكثفت الاتصالات وتنوعت مظاهر التعاون والتبادل بين إيران والبلدان الإفريقية.

  • تعزيز التبادل الاقتصادي: حيث نشطت إيران تجاريًّا في أكثر من بلد إفريقي مدفوعة بحاجة موضوعية للتخفيف من آثار العقوبات الغربية عليها عبر الدخول في فضاءات اقتصادية محدودة التنظيم وبعيدة إلى حدٍّ ما عن الرقابة. وربما شجَّع إيران على هذا التوجه وجود جاليات شيعية متجذرة في النسيج الاقتصادي لكثير من بلدان القارة ومطَّلعة بما فيه الكفاية على الفرص والمخاطر وذات صلة بمراكز القرار هناك. وقد سعت طهران إلى تسويق منتجاتها وخبرتها الفنية من خلال مشاريع مشتركة مع بعض حكومات المنطقة؛ حيث شيدت، على سبيل المثال، مصنعًا لتركيب السيارات في السنغال، وعرضت بناء مصنع آخر في موريتانيا. وفضلًا عن النشاط التجاري العادي يبدو أن طهران اهتمت أيضًا بتجارة الأسلحة، وفي هذا الإطار تندرج حادثة احتجاز سفينة إيرانية محملة بالأسلحة قرب أحد موانئ الغرب الإفريقي سنة 2010. 

    وقدَّر وزير الخارجية الإيراني السابق منوتشهر متكي حجم التبادل التجاري بين إيران وإفريقيا بخمسة مليارات دولار سنويًّا(5)، كما تحدَّث متكي عن دخول العلاقات الإيرانية-الإفريقية "مرحلة جديدة وشاملة"، مردِفًا أن التبادل التجاري بين إيران وإفريقيا قفز من "بضعة ملايين إلى مليارات الدولارات خلال السنوات الأخيرة"، كما تنوعت مجالاته لتشمل "إنتاج السيارات، والجرارات الزراعية، والتنقيب عن النفط، وإنشاء محطات توليد الكهرباء"(6).

  • تنشيط الدبلوماسية الثقافية والشعبية: على صعيد مختلف عملت إيران بشكل نشط على بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل عدد من دوائر التأثير الديني والاجتماعي في غرب إفريقيا خاصة، وبالاعتماد على الحضور التقليدي للجاليات الشيعية اللبنانية جرى السعي إلى استقطاب بعض الأشخاص والمجموعات بغرض وضع أسس للتبشير محليًّا بالمذهب الشيعي(7)، وفي غياب معطيات موضوعية حول مدى نجاح هذا المسعى تظل المعلومات المتداولة حول مدى الاختراق الشيعي داخل مجتمعات غرب إفريقيا متأرجحة بين المهوِّلين من خطرها على الانسجام الاجتماعي، والمقلِّلين من شأنها باعتبار الأمر مجرد ظاهرة محدودة لا تأثير لها(8).
في نفس الوقت استطاعت إيران والقوى الشيعية المرتبطة بها ربط علاقات مع بعض المؤسسات والتيارات الإسلامية المحلية، خاصة بعض الجماعات الصوفية؛ وقد ساعد على ذلك عاملان: أحدهما: الألَق الذي حظي به بعض الجماعات الشيعية العربية خلال العقدين الماضيين بسبب مواقفه في مقاومة الاحتلال الصهيوني، والثاني: توظيف العداء التقليدي بين الجماعات الصوفية وبعض المدارس الفقهية المحلية من جهة والحركات والتيارات السلفية ذات المنشأ الوهابي من جهة أخرى.

حسابات صعبة لمشهد متحول
منذ انطلاق عملية عاصفة الحزم لاحظ المراقبون اهتمامًا استثنائيًّا لدى المملكة العربية السعودية بتوثيق العلاقة مع بلدان غرب إفريقيا؛ حيث استقبلت الرياض خلال وقت متقارب جدًّا اثنين من أبرز رؤساء دول المنطقة هما الرئيسان السنغالي والموريتاني الذين تم استقبالهما بحفاوة غير مسبوقة وكانا موضع اهتمام لافت من قبل السلطات السعودية في أعلى مستوياتها. وليس من التكلف في شيء محاولة الربط بين الزيارتين المذكورتين والتطورات المتعلقة بالأوضاع في اليمن وما رافقها من مواجهة دبلوماسية وإعلامية بين طهران والرياض، لاسيما إذا استحضرنا العلاقات المتميزة التي ربطت كلًّا من السنغال وموريتانيا بإيران خلال السنوات القليلة الماضية وما يتردد من حين لآخر من حديث حول جهود حثيثة تبذلها إيران لترسيخ نفوذها في غرب إفريقيا.

لقد أعلن الرئيس السنغالي ماكي صال وقوف بلاده مع عملية عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية في أول موقف رسمي إفريقي يحمل مؤشرات مؤكدة لامتداد تأثيرات الصراع في الخليج وشبه الجزيرة العربية إلى إفريقيا، بل إن الموقف السنغالي مضى أبعد من مجرد الدعم إلى إعلان الاستعداد للمشاركة في العملية، وهو موقف لافت بالنظر إلى نزوع السنغال عادة إلى النأي بنفسها عن المواقف الحدِّية وحرصها التقليدي على إمساك العصا من الوسط ما أمكنها ذلك، فقد حافظت السنغال على علاقاتها المتميزة مع إيران حتى في أوج الأزمة بين الرباط وطهران حيث واصل الإيرانيون أنشطتهم في السنغال رغم توقعات بعض المتابعين للسياسة الإفريقية حينها بأن تنعكس الأزمة المغربية-الإيرانية على العلاقات الإيرانية-السنغالية بسبب الترابط التاريخي بين داكار والرباط.

غير بعيد من السنغال تبدو نواكشوط متفائلة كثيرًا بالاهتمام السعودي الطارئ حيث ظلَّت العلاقات بين البلدين فاترة إلى حدٍّ كبير منذ أكثر من عشر سنوات، وإن كانت قد استعادت بعض العافية بعد الإطاحة بنظام ولد الطايع سنة 2005. وبالتزامن مع إعلان نواكشوط تأييدها لعملية عاصفة الحزم وشَّح الرئيس الموريتاني سفير إيران بمناسبة نهاية انتدابه في حفل رأى بعض المراقبين أنه قد يتجاوز بُعده البروتوكولي باعتباره حفل توديع روتيني لسفير مغادر ليرمز إلى طي صفحة مستوى من العلاقة لم تعد الظروف التي دعت إليه قائمة.

هناك من يرى أن تطورات الصراع الدائر في المشرق وتنافس أقطابه الكبرى في توسيع نطاق تحالفاتها قد يغري بعض أنظمة بلدان غرب إفريقيا بمراجعة مواقفها وفقًا لمقتضيات تغير موازين القوى وتبعًا لحركة محاور الخلاف الإقليمي بما يحقق لها مكاسب أكبر، وهي لعبة اعتاد عليها بعض تلك الأنظمة وباتت تمتلك فيها مهارة خاصة وتعوِّل عليها كثيرًا لتجاوز بعض الأزمات التي تمر بها. لكن الوضع يبدو أكثر تعقيدًا هذه المرة، فإيران بنفوذها الإقليمي القوي وبتحالفاتها الدولية المؤثرة وبطموحها الدبلوماسي المعلن يصعب استعداؤها دون أسباب وجيهة، لاسيما في ضوء ما يلوح من بوادر انفراج في علاقتها مع الغرب وما يفتحه ذلك أمامها من آفاق سياسية واقتصادية واعدة. وفضلًا عن ذلك فإن ما قد يكون مطلوبًا من دول المنطقة ربما لا يقتصر على مجرد الاصطفاف الدبلوماسي والإسهام في فرض العزلة على إيران وتقليص مجالات نشاطها، بل سيتجاوز ذلك على الأرجح إلى طلب مشاركة هذه البلدان -ولو بصورة رمزية- في عمليات عسكرية ربما تتطلبها تطورات العملية الجارية حاليًا في اليمن؛ والمشكلة أنه ليس مؤكدًا أن هذه البلدان لديها الاستعداد الكافي أو الجاهزية المطلوبة لتقديم مثل هذه الخدمة.   
خلاصة
في كل الأحوال، من الواضح أن منطقة غرب إفريقيا تشكِّل محط اهتمام لكل من إيران والسعودية، وحتى لو ظلت تأثيرات التطورات الجارية الآن محدودة فإن التنافس بين هاتين القوتين الإقليميتين يبقى قائمًا ومرشحًا للدخول في فصول جديدة. ورغم أن روابط السعودية بشعوب وحكومات المنطقة أعرق وأوثق والمصالح المشتركة أكبر، يمكن القول: إن إيران استطاعت خلال وقت قياسي أن تجد لها موطئ قدم في المنطقة نتيجة براعتها في لعب الأوراق التي تملكها، وبفضل أسلوبها في التعامل المرن مع الأنظمة، واستراتيجيتها القائمة على التسلل الهادئ إلى المجتمعات عبر طرق غير مباشرة غالبًا. وفي انتظار ما قد تحمله التحولات الراهنة من تغير في الرؤى والاستراتيجيات نستطيع القول: إن النفوذ الإيراني في المنطقة ظلَّ حتى الآن أفقيًّا، ذا أبعاد شعبية أساسًا، ناعمًا للغاية، وخفيًّا ولو إلى حين؛ في مقابل نفوذ تقليدي للقوى الإقليمية المنافسة يبدو فوقيًّا، مركِّزًا على الأبعاد الرسمية، محسوسًا وظاهرًا للعيان، بل ومستفزًّا أحيانًا.
______________________________
الهيبة الشيخ سيداتي - كاتب صحفي موريتاني

المصادر
1- تقدِّر تقارير إعلامية عدد الجالية اللبنانية في ساحل العاج بأكثر من 150 ألفًا، وفي السنغال بأكثر من 30 ألفًا.
2- اكمير، عبد الواحد، المغاربة واللبنانيون في إفريقيا الغربية، (وأصل المقال تقرير أُنجز لصالح المؤتمر القومي العربي مطلع العام 2000)، منشور على موقع محمد عابد الجابري على الرابط: http://www.aljabriabed.net/n87_03akmir.htm#_edn1
3- تقرير عن قطع العلاقات المغربية-الإيرانية على موقع الجزيرة نت (نُشر بتاريخ: 7 مارس/آذار 2009)، على الرابط: http://www.aljazeera.net/news/arabic/2009/3/7/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%8A%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D9%85%D8%B9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%87%D9%85%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%8A
4- برقية لـ"بانا ابريس" عن فشل وساطة بين هراري ولندن (نُشر بتاريخ:17  فبراير/شباط 2007)، على الرابط: http://www.panapress.com/%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%AC%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D8%A9-%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D9%89-%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86--13-365309-18-lang3-index.html
5- برقية إخبارية عن مؤتمر صحفي مشترك بين وزيري الخارجية الإيراني والغيني (نُشرت بتاريخ:2  مايو/أيار 2010) على الرابط: http://www.alquds.com/news/article/view/id/170543
6- تقرير عن ارتفاع معدلات التبادل التجاري بين إيران وإفريقيا على الموقع الإلكتروني لقناة العالم الإيرانية، (نُشر بتاريخ:30  أكتوبر/تشرين الأول 2010)، على الرابط: http://www.alalam.ir/news/30542
7- مقابلة مع الشيخ عبد المنعم الزين، موقع مجلة مقاربات اللبنانية، (نُشرت بتاريخ: 26 يونيو/حزيران 2012)، وفيها يتحدث الزين عن وجود 50 منظمة مرخصة باسم آل البيت في السنغال وحدها، ويتبع لها عشرات المساجد والمؤسسات التعليمية في غرب إفريقيا ككل، وتمتلك "المؤسسة الإسلامية الاجتماعية" في السنغال وحدها عشرات المدارس التي يتراوح تلاميذ الواحدة منها ما بين 8000 و10000، كما يتبع لها مستشفى عالج أكثر من مليون مريض سنغالي، ونُشرت المقابلة على الرابط: http://www.mouqarabat.com/EventDetail.aspx?id=24#.VTjwwdJ_Oko
8- مقابلة مع الشيخ محمد قانصو، نائب رئيس المؤسسة الإسلامية الاجتماعية في السنغال، مع وكالة الأخبار الموريتانية، (نُشرت بتاريخ: 6 فبراير/شباط 2015)، يؤكد فيها أن الحديث عن الوجود الشيعي في المنطقة "كلام يراد منه التهويل والتخويف"، ونُشرت المقابلة على الرابط: http://alakhbar.info/intrep/interv/8087-2015-02-06-12-38-59.html
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:   
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

الجزائر والسعودية:حسابات سياسية متباينة في سياق إقليمي معقّد

/ لا تعليقات
كمال القصير
ملخص
حينما قررت المملكة العربية السعودية تشكيل تحالف عسكري وسياسي لمواجهة الأزمة اليمنية وامتداداتها لم تكن تنتظر من الدول العربية سوى دعم هذه العملية سياسيًّا وعسكريًّا. وقد جاءت عاصفة الحزم لتضع الأداء الدبلوماسي الجزائري تحت الأضواء، وهو ما طرح تحديات بالنسبة للعلاقة الجزائرية-السعودية، خصوصًا أن هذه الأخيرة تواجه من خلال الحملة اليمنية هدفًا كبيرًا ومعلنًا، وهو النفوذ الإيراني في المنطقة العربية الذي وصل إلى حدودها المباشرة. وتحاول الجزائر إحداث نوع من التوازن بين التزاماتها مع إيران، وهي التزامات نشأت بفعل العديد من محطات التقارب الدبلوماسي، والبحث عن حلول سياسية لا تكون فيها ضمن موقع معاكس تمامًا لتوجه السعودية. لكن الحفاظ على هذا التوازن يشكِّل تحديًا صعبًا سيكون مطروحًا بشكل متزايد على الدبلوماسية الجزائرية إذا أخذنا بفرضية اتساع دائرة مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة العربية.
وتبقى هنالك محددات داخلية تسهم بشكل أساسي في اتخاذ هذا الموقف من عاصفة الحزم؛ حيث تبدو العلاقة بين المؤسسات في الجزائر أحد العناصر الأساسية المؤثرة في تفسير المواقف الخارجية التي تتطلب أدوارًا سواء دبلوماسية أو عسكرية وفي الترجيح بينها. والمواءمة بين الداخل والخارج قد دفعت إلى تجنب دعم خيار المشاركة في عاصفة الحزم، الذي يندرج ضمن اختصاصات الجيش، وهو ما يتطلب إجراءات وصلاحيات وحضورًا للمؤسسة العسكرية في هذه المرحلة، سيؤدي في النهاية إلى تقوية مؤسسة الجيش على حساب مؤسسة المخابرات الحريصة على البقاء طرفًا قويًّا في معادلة الحكم.

غرَّدت الجزائر خارج السرب العربي حين اعترضت على المستوى الرسمي عن المشاركة في عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن، وعبَّر عن ذلك وزير خارجيتها رمطان لعمامرة حينما أكد أن بلاده ترفض المشاركة في هذه العملية. وكان ذلك على هامش اجتماع وزاري مهَّد للقمة العربية السادسة والعشرين بشرم الشيخ. وقد أعلنت الجزائر تحفظها كذلك على مشروع تشكيل قوة مشتركة عربية.

يقف وراء الموقف الجزائري الذي اعتبر الحوثيين طرفًا مهمًّا في المعادلة السياسية اليمنية ودعا إلى الحل السياسي، عناصر وخلفيات مهمة داخلية وأخرى خارجية تسهم في تفسير موقفها من عاصفة الحزم. وتمر العلاقة بين الدولتين بفترة توتر بسبب عدد من القضايا بعضها سبق الخلاف حول الموقف من عاصفة الحزم، حيث اعتُبرت السعودية سببًا أساسيًّا في تراجع أسعار البترول، وبرزت تصريحات تتهم السعودية بالوقوف وراء ذلك، لينضاف إلى ذلك تضارب الرؤى بين الجانبين في كيفية مواجهة الأزمة اليمنية. وقد ظهرت إشارات الانزعاج السعودي من موقف الجزائر في ما تداولته وسائل الإعلام من ردود أفعال حول ما قالت الجزائر: إنه طريقة غير ملائمة قامت بها السعودية في كيفية إجلاء المواطنين الجزائريين من اليمن. وما حدث بشأن كيفية تعامل السعودية مع الجزائريين العالقين في مطار جدة، وغلق المجال الجوي السعودي في وجه الطيران الجزائري.

سياق إقليمي يوتِّر العلاقة الجزائرية-السعودية
حينما قررت المملكة العربية السعودية تشكيل تحالف عسكري وسياسي لمواجهة الأزمة اليمنية وامتداداتها لم تكن تنتظر من الدول العربية وغيرها سوى دعم هذه العملية سياسيًّا وعسكريًّا. وقد جاءت عاصفة الحزم لتضع الأداء الدبلوماسي الجزائري تحت الأضواء، وهو ما طرح تحديات بالنسبة للعلاقة الجزائرية-السعودية، خصوصًا أن هذه الأخيرة تواجه من خلال الحملة اليمنية هدفًا كبيرًا ومعلنًا، وهو النفوذ الإيراني في المنطقة العربية الذي وصل إلى حدودها المباشرة.
لدى الجزائر حساباتها الخاصة ومن ضمنها العلاقة مع إيران، ومن هنا جاءت الصعوبة في الانخراط في عاصفة الحزم دون حسابات سياسية لمجمل العملية. وإذا كان غير خاف ثقل الجزائر إفريقيًّا وعربيًّا، فكذلك لا تخفى هذه الأهمية بالنسبة للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة العربية، وقد حققت هذه العلاقة نجاحًا في تحييد الجزائر عن دائرة التنافس الإيراني-العربي في سوريا؛ حيث كانت الجزائر رافضة لفكرة الضربة العسكرية الأميركية لنظام بشار الأسد إبَّان حديث بعض المسؤولين الأميركيين عن استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي ضد المدنيين عام 2013. وهي تدعو الأطراف السورية إلى "تسوية سياسية لإيجاد مخرج من الأزمة، وترفض أي تدخل عسكري في بلد ذي سيادة خارج معايير القانون الدولي"(1).

وبسبب تقاربها مع إيران فقد صعُب على الجزائر اتخاذ موقف متقدم منذ البداية في الانخراط بدعم عاصفة الحزم، لكنها بالمقابل تحاول أن لا تخسر دولتين مهمتين مثل: إيران والسعودية، لترجِّح خيار التوازن ولعب دور الوساطة والبحث عن الحلول السياسية في الأزمة اليمنية وفي غيرها كذلك، وأن تسعى للتقريب بين وجهات النظر الإيرانية والسعودية. إلا أن دور الوساطة تكتنفه صعوبة في كون الملف اليمني بامتداداته يتجاوز حدود وصفه بالصراع الداخلي فقط، وهو يعيد طرح كل الملفات العالقة مع إيران إلى ساحة النقاش والفعل العسكري والدبلوماسي، ومنها الملف السوري الذي لا شك أنه سيعرف تطورات في الفترة المقبلة.

تحاول الجزائر إحداث نوع من التوازن بين التزاماتها مع إيران، وهي التزامات نشأت بفعل العديد من محطات التقارب الدبلوماسي، والبحث عن حلول سياسية لا تكون فيها ضمن موقع معاكس تمامًا لتوجه السعودية. لكن الحفاظ على هذا التوازن يشكِّل تحديًا صعبًا سيكون مطروحًا بشكل متزايد على الدبلوماسية الجزائرية إذا أخذنا بفرضية اتساع دائرة مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة العربية.
الإيرانيون تحرَّكوا مباشرة عقب عاصفة الحزم صوب الدول التي اتخذت موقفًا واضحًا برفض الحملة العسكرية في اليمن، وكانت الجزائر محطة بارزة في هذه المرحلة؛ حيث وصل مبعوث الرئيس الإيراني إلى الجزائر، مرتضى سرمدي يوم 7 إبريل/نيسان 2015، وتحدث عن دور جزائري للوساطة بين طهران وقوى التحالف التي تقودها السعودية. وقد مثَّل تواجده بالجزائر فرصة لتصريف عدد من المواقف السياسية؛ حيث ذكر المسؤول الإيراني في لقاء مع الصحافة بمقر السفارة الإيرانية أنه "ليس هنالك مانع من الحوار مع السعودية"(2)، وأظهر "ارتياحًا بالغًا للموقف الجزائري حيال الأزمة اليمنية بعدم مسايرة الموقف السعودي"(3). وضمن هذا الأفق تحركت الدبلوماسية الجزائرية وعرضت "استضافة أطراف الصراع للحوار بالجزائر"(4).

يدرك الإيرانيون أن الجزائر لا تمتلك كثيرًا من أوراق التأثير في أطراف الأزمة اليمنية أو في مسارها بشكل مباشر، بالإضافة إلى تواضع معرفتها بأطراف الصراع، لكنهم رغم ذلك اختاروا إطلاق عدد من تصريحاتهم من الجزائر لتوجيه رسالة أساسية للتحالف بقيادة السعودية مفادها أن تماسك التحالف العربي ليس بالصلابة الكافية.

التحرك الإيراني وتوظيف الموقف الجزائري يزيد من توتر العلاقة الجزائرية-السعودية، ويفسَّر من وجهة نظر المملكة على أنه إضعاف لتماسك التحالف العربي الذي تقوده السعودية، أمام الاستراتيجية الإيرانية الساعية لفكِّه. خصوصًا أن الجزائر، وهي إحدى ركائز العمل العربي بالنظر لمكانتها العسكرية والسياسية، تضع نفسها أقرب للموقف الإيراني، وعلى مسافة من التوجه الخليجي للتعامل مع الأزمة اليمنية. وهو موقف يصعب على السعودية تقبله لأن محصلته الاستراتيجية تتعارض مع أهداف التحالف الذي تقوده في اليمن، وربما في مناطق أخرى قادمة تمثل امتدادًا للنفوذ الإيراني؛ مما يشير إلى أن مستقبل العلاقة بين الجزائر والسعودية سيخضع لاختبارات أخرى صعبة في غير الملف اليمني، وعلى رأسها سوريا بالنظر إلى عوامل التقارب الجزائري-الإيراني المعلن.

يطرح الموقف الجزائري عددًا من الإشكالات حول كيفية التوفيق بين ما يوصف بالعقيدة العسكرية للجيش الجزائري التي تؤكد على أن الجيش لا يحارب خارج الحدود(5)، بالإضافة إلى عدم نشر الوحدات القتالية خارج الحدود، والمعايير والقيم التي تؤكد عليها الدولة الجزائرية في دعم الشرعية في كل بلد؛ حيث تُعتبر قضية الشرعية السياسية في الحالة اليمنية مسألة واضحة عربيًّا ودوليًّا خصوصًا مع قرار مجلس الأمن الأخير والعقوبات التي فُرضت على الحوثيين وعلي عبد الله صالح.

لا يبدو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى كافيًا لتفسير موقف الجزائر؛ ذلك أن لديها مشكلة أمنية مستعصية مع المغرب في الصحراء الغربية، وهي طرف أساسي فيها. وغير بعيد قبل بضع سنوات كان التدخل الفرنسي في شمال مالي إحدى الأزمات التي واجهت فيها الجزائر معضلة التوفيق بين المعايير والسلوك العسكري والسياسي. وأكدت حينها أزمة شمال مالي أن سياستها الخارجية ممزقة بين الرغبة في القيادة السياسية والعسكرية للمجال الإفريقي، وبين ما تطرحه التحولات الأمنية والعسكرية في القارة، والتي تفرض التدخل العسكري أحيانًا كثيرة، وهو ما كانت ترفضه بشدة.

هذا الاتجاه إلى قيادة القارة الإفريقية والعمل على الانفراد بحل مشاكلها الأمنية قد اصطدم فعلًا خلال أزمة شمالي مالي بدخول قوى أجنبية لفرض الحل العسكري. وكلفها ترددها في هذا الملف أن أصبحت في النهاية طرفًا إلى جانب المغرب المشارك في تلك العملية إفريقيًّا، وهو الطرف الذي تعمل بشكل متواصل على إقصائه من كل الأجندات الإفريقية سياسيًّا وعسكريًّا. أما في ليبيا فقد تحدثت تقارير عن انخراط الجزائر بشكل من الأشكال في بعض الأنشطة العسكرية في جنوب ليبيا مع الفرنسيين والأميركيين في مواجهة القاعدة(6).

يصطدم التوجه الجزائري الذي يركز على الحلول السلمية لحل النزاعات عمومًا بالحاجة المتزايدة إلى القدرات المؤهلة لقيادة الوساطات الإقليمية، وهو أمر يعوز الدبلوماسية الجزائرية أحيانًا كثيرة. إن تفضيل الجزائر لخيارات الحلول السياسية والوساطات في التعامل مع الأزمات الخارجية وضمنها الأزمة اليمنية يرجع إلى عدم التمكن من حسم الجدل الداخلي بين مؤسسات الدولة (الجيش-المخابرات-الرئاسة)، والتردد الواضح في كيفية التعامل مع التحديات الأمنية الخارجية. وهذا النوع من التردد داخلي المنشأ يؤدي إلى خسارة مساحات للفعل والحضور داخل المنطقة العربية والإفريقية على السواء، وربما عرَّضها لمخاطر عزلة سياسية، خاصة بتركيزها على توجهها نحو إفريقيا التي تجد فيها الجزائر أيضًا منافسة شديدة من جهة الحضور المغربي، الذي يتحرك عربيًّا وإفريقيًّا بشكل متواز. وفي الحساب الجيوسياسي يعتبر الموقف الجزائري من عاصفة الحزم في صالح المغرب الذي لن يخرج من هذه المعركة مع حلفائه الخليجيين بدون أرباح اقتصادية وسياسية، في حين توسِّع الجزائر من دائرة ابتعادها عن الانخراط في الأولويات الحالية في المنطقة العربية.

محددات داخلية والعلاقة بين المؤسسات
هنالك محددات داخلية تسهم بشكل أساسي في اتخاذ هذا الموقف من عاصفة الحزم؛ حيث تبدو العلاقة بين المؤسسات في الجزائر أحد العناصر الأساسية المؤثرة في تفسير المواقف الخارجية التي تتطلب أدوارًا سواء دبلوماسية أو عسكرية وفي الترجيح بينها. وهنالك توازن دقيق في الجزائر من حيث المواءمة بين الأولويات الخارجية وتوازنات القوى في الداخل. وقد كانت الجزائر مترددة في التدخل في شمال مالي بسبب صعوبة اتخاذ القرار بين الجيش والمخابرات وما تفرضه التوازنات بين مصالح المؤسستين. ويبدو أن المواءمة بين الداخل والخارج قد دفعت إلى تجنب دعم خيار المشاركة في عاصفة الحزم، الذي يندرج ضمن اختصاصات الجيش، وهو ما يتطلب إجراءات وصلاحيات وحضورًا للمؤسسة العسكرية في هذه المرحلة، سيؤدي في النهاية إلى تقوية مؤسسة الجيش على حساب مؤسسة المخابرات الحريصة على البقاء طرفًا قويًّا في معادلة الحكم.

تمر الجزائر بمرحلة سياسية انتقالية دقيقة يعاد فيها ترتيب الأوضاع الخاصة بالحكم، وبمؤسسات الجيش والمخابرات والرئاسة وطبيعة أدوارها ومواقعها في تشكيل مرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أحدث عددًا من التغييرات في أوضاع المؤسسات الثلاث الحاكمة والتوازنات بينها. ويبدو واضحًا أن التحولات المتواصلة في بنية النظام داخليًّا وعدم وضوح الرؤية في مستقبل قمة الهرم سياسيًّا، يجعل التركيز على الداخل مؤثرًا في الأولويات الخارجية.

يتوافق مع عاصفة الحزم إشكالية داخلية أخرى تتعلق بالأمن القومي الجزائري؛ حيث يُعتبر تراجع أسعار البترول واحدًا من مهددات السلم الاجتماعي، لكون البترول المصدر الأساسي للحفاظ على أمن المجتمع من الاضطراب من خلال دعم القدرة الشرائية للمجتمع. وهو موضوع يثير نقاشًا داخليًّا كبيرًا بين النخب السياسية، خصوصًا أن البلاد تعيش احتجاجات في الجنوب بسبب تداعيات استخراج النفط الصخري. ونتيجة تراجع أسعار البترول أعلن رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال أن "بلاده ستعيد النظر في موازنتها لهذا العام، بهدف الحدِّ من تأثير التراجع الكبير في أسعار النفط الذي يشكِّل 95 في المئة من عائداتها"(7).

وبالإضافة إلى تضارب وجهات النظر مع الخليجيين حيال التعامل مع أسعار النفط، فقد برزت تصريحات جزائرية تتهم السعودية بالوقوف وراء تراجع أسعار البترول بشكل مباشر، وكان ذلك قبل بداية عاصفة الحزم(8). ولمواجهة الواقع الحالي لأسعار النفط تحركت الجزائر ضمن خيارها الاستراتيجي المفضَّل في إفريقيا "لإيجاد آلية توافقية لوقف تدهور أسعار النفط الخام وتكثفت التحركات تجاه البلدان المنتجة للنفط، بما في ذلك الدول غير الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط. وكلَّف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الوزير الأول عبد المالك سلال بنقل رسائل إلى رؤساء البلدان الأعضاء في جمعية منتجي البترول الأفارقة (APPA) للتشاور في أعقاب الانخفاض الحاد في الأسعار، ويتعلَّق الأمر بكل من نيجيريا والغابون وأنغولا والكونغو وغينيا الاستوائية"(9).

حتى تعمل الجزائر على حفظ التوازن بين علاقاتها مع إيران والتزامها العربي قدَّمت مبادرة لحل الأزمة اليمنية، من بنودها استضافة أطراف الأزمة، الحوثيين والرئيس عبد ربه منصور هادي. لكن الشرط السعودي بضرورة القبول بدخول قوات عربية إلى العاصمة صنعاء، وكذلك معطيات الضغط العسكري على الحوثيين شكَّلت عوامل ضغط على مسار المبادرة(10). ويُستبعد نجاح هذه المبادرة بسبب الإصرار السعودي على المضي في هذه العملية العسكرية حتى نهايتها بإضعاف الحوثيين داخل اليمن، بالقدر الذي يعيدهم إلى مربع الحل السياسي وقد فقدوا معظم قدراتهم القتالية.

إن دخول مجلس الأمن الدولي على الخط وتبنيه قرارًا بشأن اليمن يفرض عقوبات وحظرًا على توريد الأسلحة للحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح تحت الفصل السابع، يُضعف فرص نجاح هذه المبادرة، ويؤدي بالجزائر إلى إلقاء ثقلها السياسي والدبلوماسي في الفراغ، وهو وضع كفيل بدفعها لمراجعة مبادرة الحل السياسي الذي طرحته.

خاتمة
رغم التوتر الحالي في العلاقة بين الجزائر والسعودية إلا أن الجزائر توصف حاليًا بالنسبة لبعض المقربين من دوائر صناعة القرار السعودي بأنها "بلد مريح، يختلف معنا بكل وضوح فنتعامل معه باحترام لوضوحه رغم العتب، المشكلة مع حليف (مصر) يُبطن ما لا يظهر"(11).
أمام الدبلوماسية الجزائرية تحدٍّ داخلي يتمثل في كيفية ضبط إيقاع توجهاتها الخارجية مع طبيعة العلاقة بين مؤسساتها الداخلية، وآخر خارجي يتمثل في ضبط معادلة التوازن بين علاقاتها مع إيران من جهة والتزاماتها العربية من جهة أخرى. وفي حال عدم حدوث مراجعة للأسباب المؤدية للتوتر في العلاقة مع السعودية، فإن الجزائر من ناحيتها سوف تبتعد أكثر عن المملكة كفاعل إقليمي مهم اقتصاديًّا وسياسيًّا، كما أن السعودية قد تخسر الجزائر، بمزيد من تلاقي خيارات الأخيرة مع التوجه الإيراني في المنطقة؛ مما قد يؤثِّر سلبًا في العلاقات بين الدولتين مستقبلًا.

__________________________________________
كمال القصير - باحث في مركز الجزيرة للدراسات- مسؤول منطقة المغرب العربي
المصادر
1- موقع الجزيرة نت، بتاريخ 31 أغسطس/آب 2013:
2- وكالة أنباء فارس: مساعد وزير الخارجية الإيراني يُجري محادثات حول اليمن مع المسؤولين الجزائريين، بتاريخ 7 إبريل/نيسان 2015:

3- الشروق أون لاين: "مرتضى سرمدي: "عاصفة الحزم" خطأ استراتيجي ونعوِّل على الجزائر لوقفها"، بتاريخ 7 إبريل/نيسان 2015:

4- ميدل إيست مونيتور: Algeria proposes to host a dialogue between Yemen’s factions، بتاريخ 14 إبريل/نيسان 2015:
5- موقع الجزيرة نت: الجزائر وعاصفة الحزم: رفض رسمي وانقسام حزبي، بتاريخ 28 مارس/آذار 2015، تصريح لوزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة:
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:   
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات